كيف لا يكون صوت جميعنا مدوياً ضد الاغتيال؟ –فادي طفيلي
كتبهاالعاصي ، في 18 حزيران 2007 الساعة: 00:50 ص
كيف لا يكون صوت جميعنا مدوياً ضد الاغتيال؟

17/06/2007
فادي طفيلي
مهما تعدّدت قراءات الاستهداف، ومهما دوّرت زوايا قراءاته الوطنيّة والمثاليّة والإنسانيّة العليا، فإن المستهدف في تفجيرات الاغتيالات السياسيّة في لبنان، منذ شهر تشرين الأول 2004 وحتّى يوم استشهاد النائب البيروتي وليد عيدو، يبقى فريقاً واحداً من اللبنانيين.
والفريق الواحد المستهدف هذا، هو فريق سياسي بالطبع، له مواقف واضحة صريحة باتت بمثابة لازمة يوميّة تستعاد في كلّ السجالات والخطب والبيانات السياسيّة.
ومع كلّ استهداف يسعى مخطط التفجيرات وصانعها الى أن يخسر الفريق السياسي المذكور نقطة. يخسره عضواً. ويخسره صوتاً ودماً وإمكانيّة وطاقة فاعلة، لها دور وموقع وحضور. وإذ يقتضي المنطق البشري السياسي أن يخسر الفريق المستهدف نقاطاً وأصواتا وطاقات فاعلة جرّاء استهدافه ذاك، فإن المنطق البشري السياسي نفسه يفترض فريقاً في المقابل يحصّل الربح من خسارة الفريق المستهدف. والحال فإن مجريات الأحداث اللبنانيّة الأخيرة وما يرافقها من مواقف سياسيّة معلنة، باتت ترجّح هذه المعادلة، معادلة خسارة المستهدف، في الجسد والسياسة، وتصلّب غير المستهدف (حتّى الآن)، في الجسد والسياسة أيضاً.
منذ تشرين الأول عام 2004 (محاولة اغتيال الوزير مروان حماده) وحتّى الثالث عشر من حزيران عام 2007، وساحل رأس بيروت من السان جورج، مروراً بعين المريسة، ووصولاً إلى مدينة الملاهي، يشهد محرقة حقيقيّة متنقّلة بحقّ فريق سياسي واحد من اللبنانيين وما حول ذلك الفريق من مواطنين آمنين أبرياء. ومنذ ذلك التاريخ عينه، دون هوادة أو إنقاص أو تعديل، ثمّة فريق سياسي في المقابل يتملّص من التضامن حتّى، ويعتصم بالموقف السياسي البارد والمريب تجاه جرائم سياسيّة متسلسلة، فيرفض الاعتراف بأمر جوهري ذي دلائل بليغة، ألا وهو أن الذين يغتالون هم في الحقيقة ينتمون إلى فريق واحد! الموقف السياسي البارد والمريب ذاك ليس سوى إشارة لما يعتمر في النفس من توخّ لربح من هنا، وتسجيل نقاط وتدعيم موقف من هناك، وهذه الأمور المتوخاة كلّها تتأتّى مما خسره الفريق المستهدف ومّما نزفه من دماء.
والأمر في الواقع بات فاحشاً. إذ من غير المعقول ومن غير الأخلاقي في آن أن يبقى فريق ممعن في عدم الإشارة والانتباه إلى أن الفريق السياسي من اللبنانيين الذين يستهدفون بالاغتيال، هو فريق سياسي واحد، فريق واضح وصريح ومباشر. ومن غير المعقول ومن غير الأخلاقي أن لا يُنتَبَه إلى ما يعني استهداف ذلك الفريق، بالاغتيال والقتل، من دون أن يذهب من هم في مقابله الى اعتبار ذلك خروجاً عن السياسة. كما أنّه من غير المعقول ومن غير الأخلاقي أن لا يفجع المرء ويصدم إزاء تصرّف الفريق السياسي الآخر من اللبنانيين الذي لم يضربه الاغتيال بعد، منذ تشرين الأول 2004. إذ يظهر الفريق المذكور تصميماً مثابراً على تجاوز المشاعر الأولى لذوي الضحايا وللضحايا أنفسهم (الذين لم يموتوا) أولاً، ولجمهور عريض من اللبنانيين ثانياً. وقد بدأ أمر تجاوز المشاعر ذاك بشكل علني واحتفالي سافر بعد مضي أقل من شهر واحد على جريمة اغتيال الرئيس الحريري. فبموازاة الاتّهام الذي وجّهه أهل الضحايا وجمهورهم السياسي إلى طرف إقليمي نافذ باستهدافهم (وهذا حقّ سياسي وعاطفيّ لهم، على الأقل، قبل الأدلّة "الحسّيّة الدامغة")، قام الفريق السياسي المقابل بتنظيم تظاهرة "شكر" صاخبة، وجّه شكره فيها إلى ذلك الطرف الإقليمي النافذ المتّهم.
والحال فإن المعادلة المذكورة، القائمة على توخّي الربح ممّا يخسره المناوئ من جسده ودوره، باتت وكأنّها مدرسة في السياسة المحلّية المعارضة. فالأمر ذاته يتّبع في مواجهة الحكومة وفي مواجهة الإرادة البرلمانيّة الأكثريّة.
وإذ مضى حزب معارض واحد من اللبنانيين في تمّوز من العام الماضي إلى حرب قال أنّه استعد لها جيّداً ومنذ زمن دون غيره، وهي حرب تحتاج إلى طاقة عشر حكومات مجتمعة، قام الحزب المذكور المنتصر بالحرب، بعكس جميع اللبنانيين، بتوجيه هجومه فوراً بعد أن أنجز انتصاره إلى الحكومة اللبنانيّة. وهجوم الحزب المنتصر ذاك على الحكومة أتى على الرغم من أنّه كان جزءاً منها وهو لم يبلغها، ولم يبلغ جيشها وقواها الأمنيّة بالتالي، عمّا صمّم القيام به وحيداً من فعل حربي هائل، وذلك ليضع مع تلك الحكومة ومع جيشها وقواها الأمنيّة خطّة لمواجهة تداعيات الحرب واحتمالاتها.
هجوم الحزب المعارض على الحكومة بعد الحرب بدا أشبه بالكمين. فبعد أن كانت الحكومة قد نعتت خلال الحرب من قبل حلفاء رئيسيين للحزب المعارض، بحكومة المقاومة السياسيّة جزاء ما بذلته من جهود ديبلوماسيّة لوقف تدمير الجمهوريّة، عاد هو، وبكلّ ما أوتي من خبرة تخوينية، بتخوين الحكومة وبالتنكّر لما كان قد اتفق عليه معها، كشروط النقاط السبع والقرار 1701 الذي أوقف الحرب.
على أن الكمين السياسي ذاك الذي نصب للحكومة، وجد في الجانب الأسود المظلم من المسرح السياسي من يتلقّفه ويترجمه إلى كمين قتل مباشر ينصب للحكومة المذكورة ويودي بحياة وزير الصناعة فيها. فتصبح الحكومة حكومة مدمّاة تضمّ قتيلاً وجريحين كانا قد تعرّضا لكمينين مشابهين. ومن دون هوادة يخرج الشركاء من الحكومة اعتراضاً على التوجّه إلى القضاء الدولي للتحقيق ولكشف منفّذي كمين القتل ومحاكمتهم، وتنعت الحكومة الجريحة والمثلومة فوق كلّ ذلك، بالبتراء، ويزحف الزاحفون إلى الشوارع والأزقّة بهدف خنق الحكومة بدخان الكاوتشوك، فيحتلون الساحات لمحاصرتها وإرهابها، هي التي باتت تضمّ قتيلاً وجريحين.
مشروع إسقاط الحكومة بالنسبة لمصمّميه وللمثابرين عليه، أصبح على ما يبدو مشروعاً وجوديّاً شاملاً يمتدّ ليشمل البنى الاجتماعيّة والسياسيّة التي تستمدّ تلك الحكومة منها بعض ما تبقّى لها من روح. فالحرب الضروس التي اندلعت في الشمال، في العمق الاجتماعي الذي ساهم في تدعيم الحكومة اللبنانيّة الحاليّة وفي رفعها شعبيّاً، قد تُقرأ على أنّها حرب ضد العمق الاجتماعي المذكور ذاته. هذا من الجانب الاجتماعي. أما من الجانب السياسي، فما هو أبلغ من اغتيال نواب الأكثريّة السياسيّة البرلمانيّة الداعمين للحكومة ومانحيها الثقة؟
تلك الهجمة الوجوديّة الشاملة التي لا هوادة فيها على الحكومة، وبكلّ الوسائل والأساليب، باتت هجمة على فكرة كيان وحكم. أساليب الكمائن والتفخيخ والاستبطان هي أساليب رئيسيّة فيها. ومن الكمائن وأعمال التفخيخ والاستبطان تلك أن يقتل أعضاء فريق سياسي معيّن، واحداً إثر الآخر، ويقال من قبل الفريق المقابل، مع كلّ قتيل يسقط، أن المستهدف هو ليس ذلك الفريق السياسي المعيّن! كيف إذن يتعرّض فريق سياسيّ ما إلى الاستهداف؟؟
هل في الأمر كمين ما يهدف إلى تشويش هويّة القتيل السياسيّة لإخفاء هويّة القاتل السياسي؟؟
المستقبل
الاحد 17 حزيران 2007
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























