إنتحار الشرق الأوسط
17/06/2007
محمد الحدّاد
أبراهام بورغ ليس مجرد مثقف يبدي رأيه بواسطة المقالات الصحافية، أنّه رئيس الكنيست الإسرائيلي من 1999 إلى 2003 والرئيس السابق للوكالة اليهودية وأحد مؤسسي حركة «السلام الآن». فرأي مثل هذا الرجل يحمل محمل الجدّ.
أبراهام بورغ أثار زوبعة من الجدل الصاخب منذ أيام بسبب تصريحات من العيار الثقيل ضدّ السياسة الإسرائيلية، وهو لم ينتقد وزيرا أو رئيس حكومة أو حزبا من الأحزاب السياسية، لكنه انتقد أحد الأسس التي قامت عليها دولة إسرائيل نفسها: «إن تعريف الدولة الإسرائيلية على أنّها الدولة العبريّة هو الذي سيؤدّي إلى خرابنا». هذه عبارة واحدة من عبارات قويّة وغير معهودة تلفظت بها شخصية مرموقة في المجتمع الإسرائيلي لتكون ناقوس خطر ينبّه إلى المسار الذي تتجه فيه الأحداث ويكاد يبدو دون رجعة.
تصريحات من هذا القبيل يمكن أن نقرأها قراءات متعدّدة، وما يبدو مثيرا للاهتمام بصفة خاصة هو قيامها شاهدا على أنّ الرأي العام الإسرائيلي خاصة، واليهودي عامة ليس لونا واحدا، وكان من الخطأ أن وقع التعامل معه دون تمييز منذ عسكرة الانتفاضة ومنذ أن استقرّ الظنّ بأن ما لم يؤخذ بالمفاوضة يمكن أن يؤخذ بالقوّة وحدها. وليست القضية أن نتجادل مجدّدا حول ما دعي بمسار السلام، أكان جديرا بالدعم أم غير جدير. ذلك أن الانفتاح على دعاة السلام من الإسرائيليين خاصة واليهود عامة هو خيار بدأ مع بداية القضية الفلسطينية وهو أقدم من أوسلو ومؤتمر مدريد، وكان ممكنا عندما كانت القضية في عهدة قيادات سياسية لا دينيّة. ومع استحواذ حماس وأخواتها على القيادة تغلبت الأيديولوجيا على الاعتبارات العملية ولم يعد ممكنا تصوّر مبادرات مهمة في هذا الاتجاه. وقد ساهم ذلك في ضمور «حركة السلام» المدنية المنبثقة من المجتمع الإسرائيلي نفسه، أو من الأوساط اليهودية الملتزمة في الغرب.
ما الذي يدفع أبراهام بورغ إلى تصريحات من هذا القبيل؟ ليس التعاطف مع الفلسطينيين في المقام الأوّل، هذا أكيد. لكن بورغ وأمثاله يدركون أن القوة وحدها لا يمكن أن تحسم الصراع وتتكفل بحماية مجتمعهم. هم يدركون أن ثمة خطأ جوهريا، لذلك يشدّد بورغ على ضرورة إلغاء ما يدعى بحقّ العودة الذي يسمح باستيطان أي يهودي في العالم دولة إسرائيل. ثمة جرأة كبرى في التقدّم بهذه المواقف خاصة في الأجواء الحالية المشحونة ولا يمكن أن تكون هذه المواقف مجرّد تمويه أو تقاسم أدوار. أجل، ثمة جدل داخلي قويّ وثمة أيضا ضغوط قويّة على من يجسر بالتغريد خارج السرب، وهذا معطى لا يجوز التغافل عن أهميته. لا يمكن للشرق الأوسط كله أن يواصل مسلك الهروب إلى الأمام والمراهنة على العنف ليحسم النزاعات، وقد لا يبرز المخرج من نتيجة النزاع، ولكن من المراجعات الداخلية التي تبادر بها أصوات شاذة من كلّ الأطراف. وهذا الشذوذ هو الذي سيمنع العنف من أن يأكل الأخضر واليابس فلا يبقي على شيء. فلا يمكن أن تتزحزح مآزق الشرق الأوسط جميعها بغير جرأة من نوع ما أقدم عليه بورغ، هو الذي ذهب إلى حدّ نعت الدولة العبرية بالغيتو الصهيوني.
التحدّي الحقيقي من جهة المجتمع المدني الفلسطيني ومثقفيه هو القدرة على استعادة تقليد قديم في القضية الفلسطينية وتشجيع المبادرة الجريئة. لقد سئمنا من اختزال القضية الفلسطينية في عراك شوارع بين فتح وحماس، فهذان فصيلان يحتكران السلاح الفلسطيني لكنهما لا يحتكران القضية الفلسطينية. المطلوب من المجتمع المدني الفلسطيني أن يثبت أنه ليس أقلّ جرأة من شخصيات مثل بورغ وهو مطالَب، بدوره، بمراجعات مؤلمة. وإذا كنّا قد تعوّدنا منذ عشرات السنين على عبارة «إن دقّة الظرف لا تسمح بذلك» فإنّ الجواب اليوم هو أنّ دقّة الظرف لا تسمح... بغير مراجعات عميقة يعبّر عنها بجرأة ومسؤولية.
لقد بدأ السأم يستفحل من عبثية النزاع الداخلي الفلسطيني ويخشى أنّ الأجيال القادمة من العرب فضلا عن غيرهم لن تشعر بارتباط كبير بقضيّة لم تعد واضحة المعالم. ومن الجانب الإسرائيلي أيضا تتبخّر آمال الكثيرين من اليهود وهم يرون العنف الإسرائيلي يخترق المحرمات والخطوط الحمر الأخلاقية والإنسانية. فإمّا أن تواصل الأمور انحدارها إلى وضع عنف يصبح واقعا عادياّ يكاد لا يستفزّ المشاعر، أو أن تنشأ مبادرات شجاعة من أجل تغيير مسار يقارب اليوم من أن يصبح نوعا من الانتحار الجماعي. الواقع الفلسطيني أصبح عنفا خالصا أما إسرائيل فلا يمكن أن تسلم من حمامات الدماء التي أضحت تعصف بالشرق الأوسط كله. وبين التمسك بالقناعات إلى حدّ الانتحار ومقايضتها في سوق الاستسلام، ثمة حدّ وسط هو المفروض أن يدعى سياسة، فإذا لم يبادر إليه الساسة فلا أقلّ من أن تبشّر به أصوات تائهة في البريّة.
الحياة - 17/06/07
كتبها العاصي في 12:28 صباحاً ::
الاسم: العاصي
