وجولات شبه يومية من التعذيب الوحشي المنظم، ما أودى بحياة الآلاف من السجناء السياسيين.
أمضيت في هذا السجن السنوات الخمس الأولى من اعتقالي بانقطاع تام عن العالم الخارجي.
في سجن تدمر يشعر المرء أن كل شيء ممنوع ما عدا التعذيب والموت. هناك لا زيارات، لا نقود، لا رعاية صحية، لا راديو، ولا حتى ثياب.. أما الطعام ففي الحد الأدنى لحفظ الحياة.
بالمناسبة فإن اسم "تدمر" في اللغة الآرامية يعني "المعجزة". في الواقع هي إحدى معجزات الحضارة في تاريخنا القديم، وإحدى "المعجزات" الوحشية الدامية للاستبداد في تاريخ سوريا المعاصر.
أعلنت السلطات منذ بضعة أعوام أنها أغلقت سجن تدمر نهائياً، ولكن ما من دليل قاطع أو شهود ثقات على أن السجن قد أغلِق بالفعل.
وكنا أيضاً كلما ورد اسم بلدة "صيدنايا" القريبة من دمشق، ذهب بنا الخيال إلى "دير سيدة صيدنايا" الذي بني في عام 547 م، وإلى كنيستها الشهيرة التي تحتفظ بواحدة من الأيقونات الأصلية الأربع لمريم العذراء، التي رُسِمت بيد الرسول لوقا المبشر.
وبالمناسبة أيضاً فقد وقع خيار الفاتيكان على "صيدنايا" لتكون مقراً لانعقاد مؤتمر الحوار مع الكنائس الشرقية في العام المقبل 2008.
صيدنايا هذه تعني الآن "سجن صيدنايا العسكري"، وقد أمضيت فيه السنوات التسع اللاحقة من اعتقالي.
لا أتحدث عما تعنيه صيدنايا بالنسبة لي أو للمعارضة أو للشعب السوري فقط، وإنما أيضاً بالنسبة للنظام الحاكم ومؤسساته وأتباعه، وإليكم واحداً من الشواهد التي لا تضل دلالتها.
منذ ثلاثة أعوام تقدمت بمخطوط شعري إلى اتحاد الكتاب في سوريا، ولكن الاتحاد رفض نشر المخطوط لأسباب عديدة أهمها أني ذيَّلت قصائدي بتحديد زمان ومكان كتابتها. مكان كتابة القصائد في الحقيقة هو سجن صيدنايا، ولكن الحذر دفعني إلى حذف كلمة "سجن" والاكتفاء بالإشارة إلى أن المكان هو "صيدنايا"، غير أن حذري لم ينفع، إذ قدَّ متْ لجنة القراءة، في تقريرها عن المخطوط، شرحاً وافياً وربما "ذكياً"، لمعنى إصراري على تذييل القصائد باسم "صيدنايا"، وما ينطوي عليه ذلك من مخاطر ليس أقلها أن خيال القارئ لن يذهب في هذه الحال إلى بلدة صيدنايا التاريخية، بل سيستحضر تلقائياً وعلى الفور"سجن صيدنايا"، وذلك لأنه أصبح أكثر شهرة وحضوراً في الذاكرة السورية الراهنة، أو على الأقل في ذاكرة مئات آلاف السوريين ومعاناتهم خلال زياراتهم لأقاربهم الذين كانوا أو ما زالوا في هذا السجن.
لعلكم تلاحظون كيف يبدِّل النظام السوري معاني الأشياء ودلالاتها وتداعياتها!
لا بأس.. كنت أتحدث عن مصادرة حرية التعبير، ولكن مشكلتنا في سوريا أبعد من ذلك بكثير. لقد وصل الأمر بالنظام السوري إلى حد مصادرة حرية عدم التعبير، أعني مصادرة حرية الصمت والانكفاء.
ليس من حق السوري أن يصمت أو ينكفئ عن المشاركة في أعياد النظام وأعراسه ومناسباته، ولا سيما عندما تتعلق المناسبة بشخص الديكتاتور.
الأمثلة كثيرة ولكني سأكتفي بالإشارة إلى واحد منها، هو ذلك المتعلق بانتخاب الرئيس.
في الأيام الأخيرة شهدت سوريا ما يسمى "الاستفتاء" على رئاسة الجمهورية. لم يكن هناك بالطبع سوى مرشح واحد وحيد، هو الرئيس السابق نفسه.
من الجليِّ إذن أنه ليس انتخاباً بالمعنى المتعارف عليه عالمياً!
في الحقيقة منذ أكثر من أربعين عاماً لم تشهد سوريا أي انتخابات فيما يتعلق بالرئاسة.. بالطبع أو بحكم العادة تكون نسبة فوز المرشح أقل قليلاً من 100 في المئة. غير أن نتائج الرئيس (في الاستفتاء الأخير الذي جرى في 27 أيار/ مايو 2007) كانت متواضعة إلى حد ما، إذ لم يحصل سوى على نسبة 97.62 في المئة فقط!
يقول تقرير وزير الداخلية إن عدد المصوِّتين كان أحد عشر مليوناً ومئة وتسعة وتسعين ألف ناخب، أي أكثر من 95 في المئة ممن يحق لهم التصويت، كلهم قالوا 7-7-نعم7-7- للرئيس، باستثناء تسعة عشر ألفاً وستمئة وثلاثة وخمسين ناخباً!
هذه النسبة وهذه الأرقام فضيحة من العيار الثقيل.
إن عدد السجناء السياسيين (السابقين فقط) أكثر بكثير من هذه التسعة عشر ألفاً، فكيف إذا أضفنا إليهم المتضررين من أسرهم كالأبناء والزوجات والإخوة والأخوات.. إلخ؟!
عدد ضحايا المجازر التي ارتكبها النظام في مطالع الثمانينيات من القرن الماضي، بل عدد ضحايا مجزرة مدينة "حماة" وحدها أكثر بكثير من هذه التسعة عشر ألفاً ممن قالوا "لا"، فهل يعتقد وزير الداخلية أن أرقامه قادرة على إقناعنا بأن الرئيس حصل على أصوات من فقدوا آباءهم أو أبناءهم في تلك المجازر؟!
الأكراد السوريون الذين يقارب عددهم المليونين، وهم محرومون من أبسط حقوقهم القومية والثقافية، ناهيكم عن أكثر من مئة وخمسين ألف كردي جرَّدتهم السلطات من جنسيتهم السورية.
تُرى.. هل صوَّت الأكراد للرئيس بالإجماع أم بأغلبيتهم الساحقة؟!
هل تريد وزارة الداخلية إقناعنا بأن المازوشية مستشرية بالأكراد السوريين إلى هذا الحد الذي ي